У Елены Кравец королевская двойня: стало известно, что телеведущая родила мальчика и девочку
16.08.2016
السويد تجري تعديلات هامة على قانون منح الجنسية السويدية
17.08.2016
عرض كل

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقتل أو يعذب فردا من جنسه

رفعت الحضارات شعارات المجد والسؤدد والكرامة والحرية بينما اندفع أبناؤها نحو العنف والقمع والتعذيب

دمشق: فيصل خرتش

يعالج ممدوح عدوان موضوعه بعقلية الأديب ومزاجه وأسلوبه وليس بعقلية الباحث ومنهجيته، وقد يكون هذا هو السبب الذي دفعه إلى الإكثار من الاعتماد على شهادات الأدباء ومعالجتهم لهذه المسألة التي هو بصددها

يرى ممدوح عدوان أن عالم القمع، المنظم منه والعشوائي الذي يعيشه إنسان هذا العصر هو عالم لا يصلح للإنسان ولا لنمو إنسانيته، بل هو عالم يعمل على «حيونة» الإنسان (أي تحويله إلى حيوان)، ومن هنا كان العنوان. لقد سعى الفلاسفة والمتصوفون والفنانون والمصلحون والأنبياء إلى السمو بالإنسان ليعود جديراً بالكمال الذي فقده. لذلك فإن عدوان يعرض في كتابه هذا أي عملية انحطاط وتقزيم وتشويه تعرض لها هذا الإنسان، وهدفه من ذلك إثارة شيء من الأسف والحرقة على الحلم المفقود والتخلص من تعودنا على وحشية العالم

في «التوصيف» يستعير الكاتب مقطعاً من قصة يوسف إدريس «العسكري الأسود» تتحدث عن التعذيب في السجون، فيعرف أدب السجون والتعذيب المادي والمعنوي، ليدخل في ورطة الإنسان الأعزل، إلى الجلاد الذي يعذب ضحاياه وهو لم يعد يريد معلومات أو اعترافات، إنه يعذب ليستمتع، كما نحن عندما نستمتع برؤية مشاهد العنف والقسوة في السينما والتلفزيون والأدب، ولا ننسى جمهور الأفلام المهربة، وأفلام الكبار. لقد دلت الأبحاث والتجارب (قدم ممدوح عدوان أمثلة عديدة منها) على أن ما نصفه بالوحشية هو سلوك خاص بالإنسان، والإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلاً، لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفراداً من جنسه ويعذبهم من دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي، ويحس بالرضى التام عن فعل ذلك، والعداونية سمة إنسانية خالصة، بينما الحياة الجنسية للحيوانات، أقل وحشية وأكثر انضباطية وتنظيماً، متحررة من العنف الذي ينبع من الكبت البشري، ويسعى الإنسان بالقوانين والأخلاق والفلسفات والأديان والفنون لأن يخلق بيئات طبيعية واجتماعية وسياسية وأخلاقية لا تلائم هذا الوحش… لأنه يهرب من الوحشي الذي اختبأ في داخله

يستفيد المؤلف من التجارب المباشرة والموثقة، تلك التجارب التي سجلها أدباء ومفكرون عن تجاربهم الشخصية أو من خلال رصدهم للتجربة الاجتماعية والسياسية في الحياة من حولهم، ويقدم شهادة للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي الذي قضى في السجن ثماني سنوات، كذلك ليوسف إدريس في «مسحوق الهمس»، ويقدم شهادة حقيقية كتبها سجين فعلي عن تجربته الحقيقية، ومن خلال التعذيب أو التخويف يتم قتل الخصم والآخرين، من الداخل من دون قتله أو قتلهم جسدياً. وفي رواية «جسر على الدنيا» لإيفو أندرتيش، مشهد من أفظع مشاهد التعذيب في الأدب، والغاية من كل هذه المشاهد جعل المشاهد يتألم ويعتبر: إنها درس واضح لكم « إياكم أن تصلوا إلى هذا المصير أو أن تفعلوا ما يجعلكم تواجهونه، لا تظنوا أنه يمكن أن تأخذني بأحد شفقة، والطريف في لعبة التعذيب أن يتقن الجلاد عمله فلا يتسبب في موت الضحية، فالمطلوب هو الموت الداخلي وليس الموت الخارجي والجسدي، المطلوب هو الإذلال حتى الدرجة القصوى وإيصال السجين إلى حالة مزرية خالية من الكبرياء والقيمة والاحترام». تاريخ الإنسان المقموع، أي الغالبية العظمى من البشر، هو تاريخ تحويل الإنسان إلى شيء آخر غير الإنسان، هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره، وأفضل أنموذج لهذا التشويه نجده في العسكري الأسود ليوسف إدريس: «إنه حين يضرب يفقد وعيه وصوابه ويصبح كالسكران أو المجنون وإلى درجة لم يكونوا يجرؤون على تركه وحيداً مع الضحايا»، إنه يمثل تلذذ الشخص بإحساسه بأنه مثير للخوف، وأن أوامره مطاعة، وأن الآخرين ليسوا في خدمته فقط بل هم رهن إشارته. إنها حالة الاستمتاع بممارسة القوة، منطق القوة العضلية الذي يبيح للرجل أن يضرب المرأة ثم يأتي منطق القوة الاقتصادية. وبين هاتين القوتين ولتبريرهما تنشأ قيم متعلقة بالطاعة والخنوع والخضوع وسماع الكلمة، وهذه مسؤولية الضحية ذاتها عندما توقظ الرغبة العدوانية عند الجلاد، وبقدر ما يبدي من استعداد للمقاومة فإنه يضعف شهية الآخرين للسلطة عليه، وهذا يعني أن المجتمع الديموقراطي يجب أن يقوم على أساس وجود مواطنين لا يتهاونون في حقوقهم. والسلطة والاستبداد يتماديان عند وجود مواطنين يسكتون عن حقوقهم أو يخافون من المطالبة بها، إن الذي حوّل الوحوش الضارية إلى مخلوقات مسلية في السيرك، اكتشف أنه يستطيع أن يجري التحويل ذاته على الإنسان، حوّله إلى مخلوق مسلوب الإرادة، ولكنه بالطاعة ذاتها وبالأساليب ذاتها صنع الجلادون والقتلة واللصوص والانتهازيون والمرتدون والمفسدون والقوادون

لذلك فإن كل ما نراه من تشوهات تصيب الفرد والمجتمع عامة هي من نتائج تفشي القمع والمؤسسات القمعية التي تشيع العنف بكل مظاهره، ليس هناك قدر محتوم على البشر أن يتحولوا إلى جلادين وضحايا، ولكن معظم أنظمة القمع والاستغلال هي التي تريد إبقاء البشر عند مرحلة الحيوانية الغريزية الأولى. وعندما يحاولون الخروج من هذه الشرور، تثبتهم فيها أو تنزلهم إلى ما هو أحط من الحيوانات من خلال القسر، وبأدوات بشرية تتحول هي الأخرى إلى ما هو أحط من الحيوانات فتثبت نظرتها العرقية الفوقية إلى العنف الوحشي لهؤلاء الناس الذين لم يتجاوزوا مرحلة الحيوانية، كذلك فإن المقموعين تاريخياً، حين يجدون متنفساً ويتوصلون إلى سلطة ما، فإنهم يريدون أن ينتقموا داخل نفوسهم من كل مشاعر الخوف والتذلل التي عرفوها، فيصبحون أشد قسوة من مضطهديهم، وهم إذ يقلدون أولئك الذين اضطهدوهم، فهم يضيفون إلى ما يعرفونه ويريدون تقليده شحنات من أحلام اليقظة المكبوتة والانتقام من الذات التي كانت مستكينة، ويمددون صلاحياتهم خارج أسوار المكاتب أو حتى الزنزانات، وتتحول عملية الانتقام ليس للمساجين الذين سيقعون بين يديه، بل وللمجتمع بأسره

إن كل نظام قمعي يحتفظ بقوة منظمة من هذا النوع لمواجهة الأزمات، وهذه القوة هي التي تقمع عند الضرورة بلا تفكير وبلا وازع، تطلق النار على أي هدف، وتضرب أي إنسان من دون تمييز في عمره أو جنسه، وهي بلا ثقافة والنظام يحرص على أن يحدد ثقافتها بإطاعة الأوامر وبالقدرة على استخدام السوط وكعب البندقية والطلقة في الشارع التي يتحرك فيها المواطنون، وتعمم السلطة بين هؤلاء قيماً خاصة تجعلهم يفاخرون بما فعلوه أو بما هم قادرون على فعله، أو على استعداد دائم لفعله، وتجعلهم يتسابقون لأداء المهمات التي يصفها غيرهم بأنها قذرة أو وسخة أو لا إنسانية، بينما هم يرون فيها إثباتاً للرجولة وللاستحقاق التدليلي عند الرؤساء يصبح الأمر متعة شخصية وقيمة ذاتية تصلح للمفاخرة

يدرس ممدوح عدوان ظاهرة (المتنمر) أو المتسلط، الشخص الذي يفرض إرهابه الشخصي على الآخرين، بطل العالم السفلي الذي يروع قاع المدينة بعد منتصف الليل، إنه بلا أخلاق ولا نخوة، وقد تتجلى هذه الظاهرة في البيت وفي العلاقات العامة وفي كل مكان يوجد فيه إنسانان أو أكثر على تماس، وحتى في السجون مع السجانين وفي المدرسة، هو وجود متسلط يفرض إرهابه النفسي على الآخرين من خلال الوضع الوظيفي أو العائلي أو الديني أو الاجتماعي، ولا يتم ذلك إلا في غياب القانون، لأن المتنمر يعتبر نفسه هو القانون، ويستخدم القانون حسب الموقف الذي يرى نفسه فيه.

إن الاستبداد يعتمد على ضعاف النفوس الذين تكون دناءاتهم وصغارهم هي أفضل أوراقهم الثبوتية، يتبوّأ هؤلاء المراكز القيادية في الدولة والجيش والعمل، وبما أنهم لا يعتمدون على كفاءاتهم وليس لديهم ميل، ولا يشعرون بالحاجة إلى تطوير هذه الكفاءات يكون من المنطقي أن يميلوا إلى التسلط والقمع الوظيفي، ثم يتحولون إلى القمع الجماعي. وهذا القمع هو الإرهاب المدني المنفلت لا يمكن أن يظل سائداً إلا إذا ساندته سلطة ما، سلطة تهيمن على المجتمع كله (أو الجماعة)، تحمي الجلادين الذين يعملون لما تراه مصلحتهم، ثم تزينه بأنه من الضرورات ومما لا بد منه، ومن هذه السلطات سلطة السلاح أو العصابة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو الدولة، والدولة القمعية هي دولة تتحكم بها فئة (حزب، طائفة، طبقة) لا تحقق مصالح السواد الأعظم من الناس، لأن هذه المصالح متناقضة مع طبيعة هذه الدولة ووظيفتها، فإن الحكم يلجأ إلى منع الناس من إعلان شكواهم أو إيصال مطالبهم بالتعبير السياسي المعروف بوساطة الأحزاب والمنظمات والنقابات، وحتى بالتعبير الثقافي، أي أنها تقمع الثقافة والآداب والفنون، مثلما تقمع التنظيمات المهنية والسياسية، وتضبط حتى المواعظ الدينية، وعندما تزداد نقمة الناس، تزداد مخاوف السلطة، مما يؤدي إلى تشديد قبضتها بالإرهاب والسجن والتعذيب والقتل والتسريح من العمل ومنع فرص العمل والتجويع ومنع التنظيمات وخنق حرية التعبير، تحاول أن تجبر الناس على التأقلم والقبول بالأمر الواقع أو السكوت عنه. وإرادتها في ذلك بعض المستفيدين من فتاتها، بينما يعيش عامة الناس تحت ظل الخوف الدائم الذي يجبرهم على إظهار حبهم للدولة، التي تعد نفسها المؤتمنة الوحيدة والمختصة على إرادة البلد ومصيره، وكل معارض هو خائن مأجور للأجنبي، ويجب أن يظفر برنامجها السياسي بتأييد الجميع المطلق، وكل نقد هو مساس بأمن الدولة، إن هيمنتها تنزع إلى أن تشمل جميع الفعاليات وكل تنظيم مستقل هو خصم لها، وكل مواطن مستقل ذي فاعلية هو طبعاً خصم لها أيضاً

صار من الواضح حتى الآن موضوع العنف والقمع والتعذيب، إن الأمور لا تأتي من الفراغ، وإن هذه الظواهر غير الإنسانية مرتبطة بنظم اجتماعية وممارسات سياسية، وإن الإنسان المقموع، هو نتاج لذلك النوع من الأنظمة السياسية والاجتماعية والبيئة الثقافية الناجمة والتي تنمي الخوف في نفوس الناس وتعيش على خضوعهم واستهانتهم وذعرهم. ولهذا النوع من الأنظمة السياسية تسميات عديدة، هناك الدولة الاستبدادية والقمعية والديكتاتورية والفاشية وأوصاف أخرى لا تنتهي، وتشير إلى حقيقة واحدة واضحة هي: أنها حكومات لا تمثل شعوبها، بل هي مفروضة على هذه الشعوب إكراها بقوة السلاح أو الاحتلال أو الوصاية الخارجية، ومهما كانت الشعارات التي ترفعها هذه الحكومات، فإن النتيجة الطبيعية التي يخرج بها المحكومون من قبلها هي أن إنسانيتهم تتردى ومطامحهم تضمحل وآفاقهم تنغلق، إنهم ينحدرون نحو الحيوانية في الوقت الذي تكون فيه الشعارات مرفوعة حول المجد والسؤدد والكرامة والحرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *