العدالة الدولية ضرورة ملحة لوقف جرائم الاحتلال في غزة
07.12.2024
القوات الإسرائيلية تواصل توغلها في الأراضي السورية: تصعيد جديد يثير القلق الدولي
10.12.2024
عرض كل

فلسفة الهيمنة والعداء المعلن – المسرحية الكبرى : صالح محمد ظاهر

لا شك أن التاريخ الإنساني مليء بالصراعات التي تساق على أنها مواجهات أيديولوجية أو صدامات حضارية لكنها في حقيقتها ليست سوى صراع على المصالح تديره قوى خفية خلف الكواليس في عالم اليوم تجسد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا هذا الصراع في مشهد مسرحي ضخم حيث يتم تقديم المواجهة بينهما كمعركة بين الخير والشر لكن عند إسقاط الأقنعة نكتشف أن الهدف الحقيقي ليس سوى فرض الهيمنة على الموارد وإعادة تشكيل القيم الإنسانية بما يخدم مصالح النخبة الحاكمة

هذا النمط من الصراع ليس جديدا بل هو امتداد لتاريخ طويل من الهيمنة الممنهجة قديما استخدم هتلر شعارات النقاء العرقي لتبرير الحروب والتوسع بينما رفع ستالين راية المساواة الاجتماعية لتبرير نظامه المركزي الصارم كلاهما اعتمد على التخويف والدعاية لفرض سلطته وتحويل الإنسان إلى أداة لخدمة مصالحه واليوم تتكرر نفس الأنماط بأوجه جديدة حيث تستخدم الدول الكبرى الأزمات الدولية كأدوات لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي

الصراع بين القوى الكبرى ليس مجرد مواجهة عشوائية بل هو توزيع مدروس للأدوار لتحقيق أهداف الهيمنة المشتركة الولايات المتحدة تقدم نفسها كحاملة لواء الديمقراطية فيما تظهر روسيا كمدافع عن القيم التقليدية ورافض للهيمنة الغربية لكن في العمق هذا العداء المعلن ليس سوى غطاء يخفي مصالح مشتركة بين النخب الحاكمة في كلا البلدين

تشهد الأحداث العالمية كيف يتم صناعة الأزمات وإدارتها بطرق مشابهة لما كان يحدث في القرن العشرين حيث كانت القوى الكبرى تتقاسم النفوذ من خلال الحروب والمعاهدات واليوم يتم استخدام الأدوات نفسها ولكن بوسائل أكثر تطورا التلاعب بأسواق المال افتعال الأزمات السياسية دعم النزاعات الإقليمية والتحكم في الإعلام كلها وسائل تستخدم لإبقاء العالم في حالة اضطراب مستمر مما يتيح للقوى الكبرى مواصلة سيطرتها

إن العداء المعلن بين الولايات المتحدة وروسيا ليس سوى مسرحية محكمة الإخراج يتم فيها توجيه الشعوب وتشتيت انتباهها عن الأهداف الحقيقية للصراع تماما كما استغل هتلر وستالين الدعاية للتحكم بالجماهير وإقناعها بضرورات الحرب والتضحية فإن القوى اليوم توظف الإعلام والتكنولوجيا الحديثة لتحقيق الغاية نفسها ولكن بأساليب أكثر ذكاء وخداعا

في هذا النظام العالمي لم يعد الإنسان غاية في حد ذاته بل أصبح مجرد أداة تستغل لخدمة المصالح العليا وكما تم تحويل الإنسان في الأنظمة الديكتاتورية إلى رقم في معادلات السلطة فإن الإنسان اليوم يتحول إلى وقود في حروب تفتعل لإبقاء نظام الهيمنة العالمي قائما يقتل الملايين وتفرض العقوبات الاقتصادية وتخلق الأزمات فيما تبقى النخب السياسية والمالية بمنأى عن أي تأثير سلبي بل وتستفيد من معاناة الشعوب

التاريخ لا يعاد تكراره عشوائيا بل يدار بعناية ليخدم مصالح قوى معينة كما استغل هتلر وستالين الصراعات لترسيخ سلطتيهما فإن القوى الكبرى اليوم تواصل استخدام نفس الأدوات لإبقاء العالم في حالة دائمة من الانقسام والتبعية

ما يقدم للبشرية اليوم على أنه صراع حتمي هو في حقيقته مسرحية متقنة الإعداد حيث تلعب القوى العظمى أدوارها بحرفية بينما تبقى الشعوب أسيرة هذه اللعبة أمام الإنسانية خياران إما البقاء في هذه الدائرة المغلقة التي تدار من خلف الستار أو السعي لفهم أعمق لحقيقة النظام العالمي والعمل على كسر قيوده

تحرير الإنسانية يبدأ بالوعي والحرية لا توهب بل تنتزع بإرادة قوية ترفض الاستعباد وتسعى لخلق عالم أكثر عدلا وإنسانية

د. صالح محمد ظاهر رئيس منظمة الدرع العالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *