منظمة الدرع الدولية تناقش الصفقة الخضراء الأوروبية وحقوق الإنسان في ندوة وكالة FRA
31.01.2025
تأسيس “مجموعة لاهاي” لدعم فلسطين وحقها في الاستقلال
02.02.2025
عرض كل

صالح ظاهر – ترامب: زعيم البلطجية الدولية ورمز القوة العمياء وتحديات العدالة

د. صالح محمد ظاهر – رئيس منظمة الدرع الدولية

القوة العمياء وصناعة الفوضى

مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة، على مر العقود، انتهجت سياسة الهيمنة العالمية تحت شعارات براقة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في الواقع اعتمدت على معايير مزدوجة وتدخلات عسكرية أدت إلى إشعال الحروب وزعزعة الاستقرار. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تحولت واشنطن إلى قوة أحادية تحاول فرض إرادتها على العالم، مستخدمة العقوبات الاقتصادية، والانقلابات السياسية، والتدخلات العسكرية، لتأمين مصالحها الاستراتيجية دون اكتراث بحقوق الشعوب أو سيادتها الوطنية.

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، بلغ هذا النهج ذروته، حيث تبنى سياسة عدوانية قائمة على الابتزاز والضغط الأقصى، سواء تجاه الخصوم أو حتى الحلفاء. منذ أسبوعه الأول في البيت الأبيض، بدأ في اتخاذ قرارات أحادية وصدامية، تعكس رؤية سلطوية تنطلق من مبدأ “أمريكا أولًا” على حساب النظام الدولي والتوازنات الإقليمية. لكن هذا النهج لم يكن سوى امتداد لسياسة أمريكية قديمة، تستند إلى القوة العمياء بدلًا من العدالة، وإلى فرض الهيمنة بدلًا من التعاون الدولي.

ترامب: زعيم البلطجية الدولية ببدلة أنيقة

عندما كنا صغارًا، وندرس عن عصابات الأشرار، كنا نظن أنهم متوحشون في كل شيء، حتى في لباسهم وسلوكهم، لكننا اليوم نرى أن رئيس دولة كبيرة مثل أمريكا، بلباسه الأنيق وربطة عنقه الفاخرة، يقود عصابة إجرامية من نوع آخر، لكن بأساليب جديدة وأدوات مختلفة. لم يكن ترامب مجرد رئيس، بل كان التجسيد الحقيقي لعقلية القوة التي لا ترى في العالم سوى ساحة نفوذ وصراع، بعيدًا عن أي اعتبارات إنسانية أو قانونية.

الطاغية الجديد في ثوب النمرود

وكما كان النمرود رمزًا للاستبداد والطغيان في التاريخ القديم، ظهر ترامب في العصر الحديث كنسخة جديدة من ذلك الطاغية، مدفوعًا بقوى الظلام التي تحركه خلف الستار. النمرود، الذي تحدى إرادة السماء وظن أنه يستطيع التحكم في مصائر البشر، يشبه ترامب الذي تصرف كأنه فوق القوانين، ينشر الفوضى، ويبتز العالم بقراراته المتهورة. وكما كان النمرود محاطًا بجوقة من السحرة والمنافقين الذين يزينون له استبداده، وجد ترامب في الإعلام المضلل وأصحاب المصالح من يروجون لخطابه العدائي ويوهمونه بأنه الأقوى.

تناقضات ترامب: بين معاداة المهاجرين وفرض سياسات اللجوء على الآخرين

اشتهر ترامب بتشدده ضد المهاجرين، حيث فرض سياسات صارمة ضد طالبي اللجوء، وأمر بترحيل الآلاف من المهاجرين قسرا، وأغلق الباب أمام اللاجئين، متذرعا بحماية الأمن القومي والمصلحة الأمريكية. لكن في تناقض واضح، لم يتردد في الضغط على دول أخرى لاستقبال اللاجئين، وكأن حقوق الإنسان لديه مجرد أداة ضغط سياسي يستخدمها متى شاء. كما أن محاولة تهجير سكان غزة إلى دول أخرى، دون مراعاة لحقوق الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير، وبدون احترام لسيادة الدول، تعكس بوضوح تناقضا إضافيا في سياسة ترامب. ذلك أنه لم يتكلم عن المسبب الرئيسي للإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة أو عن الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والإنسانية في هذه المنطقة. كيف يمكن لرئيس أن يطالب الآخرين بحلول للاجئين بينما هو يتجاهل المعاناة المستمرة لشعب بأسره ويغض الطرف عن ممارسات الاحتلال التي تساهم في هذه المأساة؟

ترامب أكثر من رئيس.. إنه تجسيد للهيمنة

لم يكن ترامب مجرد رئيس للولايات المتحدة، بل كان انعكاسًا صارخًا لما يحدث حين تتحول السلطة إلى أداة للابتزاز والهيمنة. لم تعد السياسة الدولية في عهده قائمة على التوازن والشراكة، بل تحولت إلى صفقات وتهديدات، حيث تفوقت المصالح الضيقة على مبادئ العدالة.

قراراته كانت ترجمة لمنطق القوة العمياء، الذي يعتمد على التفوق العسكري والاقتصادي كوسيلة لفرض الإرادة، متجاهلًا أن القوة التي لا تستند إلى العدل تحمل في ذاتها بذور فنائها.

البلطجة كنهج سياسي

لم تكن سياسات ترامب مجرد تصرفات فردية، بل كانت جزءًا من نهج متكامل قائم على استغلال النفوذ السياسي، وفرض العقوبات الاقتصادية التعسفية، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية. حتى الحلفاء لم يسلموا من سياساته القائمة على الابتزاز، مما أدى إلى عالم أكثر انقسامًا وأقل استقرارًا.

وكما كان النمرود يبني صرحه الشاهق متحديًا إرادة السماء، ظن ترامب أن القوة المطلقة ستمنحه السيطرة الدائمة، لكنه فشل في إدراك أن القوة التي تمارس دون شراكة تفقد مشروعيتها، وتتحول إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم.

عواقب القوة العمياء

التاريخ لا يجامل الطغاة، ولكل سلطة حد ترسمه إرادة الشعوب. مهما بلغت جبروت السلطة، فإن الشعوب تظل قادرة على المقاومة واستعادة حريتها. لم تفلح سياسات ترامب في إخماد تطلعات الشعوب للحرية، لأن الحرية ليست صوتًا يمكن إخراسه، بل هي روح متجددة تعيد تشكيل التاريخ كلما حاول الاستبداد طمسها.

نرجسية ترامب وانفصام القيادة

لم يكن ترامب قائدًا يسعى لتحقيق مصالح شعبه، بل كان نموذجًا فاضحًا للزعامة المنفصلة عن الواقع. طغت نرجسيته على قراراته، وساد منطقه الأحادي في الحكم، متجاهلًا أن القيادة لا تقاس فقط بالسطوة، بل بالحكمة وبعد النظر.

وكما كان النمرود يرى في نفسه إلهًا، يتوهم ترامب أنه القائد الأوحد الذي يستطيع التحكم في مصير العالم، غير مدرك أن الشعوب والتاريخ أقوى من أي طاغية.

أنصار الاستبداد ومروجو الوهم

في ظل قيادة ترامب، ظهر نوع جديد من السياسيين الذين يبررون الاستبداد، إما طمعًا أو جهلًا. لكن كما يعلمنا التاريخ، هؤلاء لا يصنعون المستقبل. الطغاة قد يجدون دائمًا من يصفق لهم، لكن الشعوب هي التي تكتب الفصل الأخير.

لم تصمد أي قوة حاولت فرض إرادتها بالقوة أمام وعي الشعوب. من الإمبراطوريات القديمة إلى الأنظمة الحديثة، النتيجة دائمًا واحدة: القوة التي لا توازنها الحكمة مصيرها الزوال.

ترامب ليس استثناءً، فسياساته القائمة على التسلط لن تصمد أمام الشعوب التي ترفض الهيمنة. قد يكون قد نجح في فرض قوته خلال فترة رئاسته، لكنه لم يستطع تغيير مسار التاريخ. وكما سقط النمرود رغم جبروته، انتهى ترامب سياسيًا وسط الفوضى التي خلقها، ليصبح عبرة لكل من يظن أن القوة تمنحه الخلود.

د. صالح محمد ظاهر – رئيس منظمة الدرع الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *