تحقيقات وشهادات من صحف عالمية تكشف حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي وراء المجازر
تتسع دائرة الاتهامات ضد إسرائيل باستخدام الإبادة الجماعية كأداة سياسية وتجارية في قطاع غزة، وسط تقارير وتحقيقات دولية تكشف أبعادًا مرعبة عن حجم الدمار وعدد الضحايا والربح المتحقق من آلة الحرب، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي جديد.
الأرقام الرسمية.. أقرب إلى الحقيقة مما تدّعي إسرائيل
كشف موقع “ميديا بارت” الفرنسي، نقلاً عن تحقيق أجرته منظمة أطباء بلا حدود، أن أعداد الضحايا المدنيين في غزة تتطابق إلى حد كبير مع ما تعلنه وزارة الصحة في القطاع. بل ويرجّح التقرير أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، نظرًا لوجود آلاف الضحايا الذين لم تصل جثامينهم إلى المستشفيات ولم تُحدد هويتهم بعد.
وأكد التحقيق أن 31% من الضحايا هم أطفال، بينهم ما يقارب 40% دون سن العاشرة، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تضرب القطاع المحاصر منذ أشهر.
1000 دولار في اليوم… ثمن الجرّافات والخراب
وفي تقرير صادم نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، كُشف النقاب عن إعلانات صادرة عن الجيش الإسرائيلي لتوظيف سائقي جرافات مقابل ألف دولار يوميًا للمشاركة في عمليات الهدم والتجريف في غزة، وهي عمليات طالت أحياء سكنية بأكملها.
ورأت الصحيفة أن هذا التوظيف “غير المسبوق” يشرعن تجريف الأرض وتهجير السكان، ويمثّل انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي. وقالت إن الإبادة الجماعية تحوّلت إلى قطاع تجاري يدرّ أرباحًا على شركات وجماعات خارجية، تحت حماية آلة الدعاية الإسرائيلية.
“مدينة إنسانية” أم معسكر اعتقال؟
صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية وصفت في افتتاحيتها خطة وزير الدفاع يسرائيل كاتس ببناء ما أسماه “مدينة إنسانية” على أنقاض رفح بأنها جريمة منظمة، وأشارت إلى أن دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للخطة، يُعد انحدارًا أخلاقيًا وتاريخيًا لإسرائيل واليهود على حد سواء.
وأكدت الصحيفة أن المخطط ليس إلا محاولة لإخفاء مشروع تهجير جماعي، وتجميع الفلسطينيين في ما يشبه “معسكرات الاعتقال”، مهما حاولت الحكومة تغليفه بمصطلحات إنسانية مضللة.
“فورين بوليسي”: التهجير القسري مشروع منظم
وفي مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، اعتبر الباحث روب بينفولد من جامعة كينغز كوليدج في لندن أن إسرائيل تنفذ عملية تهجير قسري منظمة في غزة، وأنها تستغل التعاون مع جماعات محلية “مارقة” لزرع الفوضى واستباق أي مقاومة منظمة.
وقال بينفولد إن هذه السياسات تفتقر للرؤية الاستراتيجية، وقد تعيد إنتاج نفس المأساة على المدى الطويل، مشيرًا إلى أن تلك الجماعات منبوذة شعبيًا داخل غزة ولا تمثل إلا مصالح محدودة.
شهادات من الميدان: الموت المتكرر
صحيفة “نيويورك تايمز” نشرت شهادة مأساوية من الطبيبة البريطانية فيكتوريا روز، التي تعمل متطوعة في أحد مستشفيات غزة. وأكدت روز أن النظام الصحي في القطاع ينهار بالكامل، وأن المصابين باتوا يعانون من حروق قاتلة وإصابات بليغة ناجمة عن القصف الإسرائيلي المكثف، في ظل غياب المعدات والكوادر.
وقالت الطبيبة إن ما تشهده غزة الآن يفوق أي كارثة طبية مرت بها في مهنتها، مشيرة إلى أن الاختيارات التي يواجهها الأطباء مؤلمة: من تُعالج؟ ومن تترك ليموت؟
“صفقة الأسرى”: ألم يتجدد كل يوم
أما صحيفة “وول ستريت جورنال”، فتحدثت عن المفاوضات الجارية بشأن هدنة محتملة في غزة، وسط ضغوط متزايدة من عائلات الأسرى الإسرائيليين على الحكومة.
وقالت الصحيفة إن الطرح المطروح يشمل الإفراج عن عشرة أسرى فقط، مما يخلق صراعات داخلية مؤلمة بين العائلات: من سيعود؟ ومن سيبقى؟ ووصفت الصحيفة هذه المرحلة بأنها الأكثر حساسية منذ بدء الحرب.
الخلاصة: حرب بمقابل… والإبادة مشروع مربح
من واقع هذه التقارير، يتضح أن ما يجري في غزة يتجاوز كونه نزاعًا عسكريًا، ليصل إلى نموذج جديد من الحروب القذرة التي تُدار بأموال ضخمة، وأطراف دولية، ومصالح اقتصادية، على حساب المدنيين الأبرياء.
وإذا ما استمر تجاهل هذه الجرائم، فإن العالم يقف أمام نموذج خطير لحرب تُسوّق على أنها “فرصة ربحية” و”مشروع أمني”، في حين أنها إبادة منظمة لشعب أعزل تحت غطاء “التحالفات” و”الشرعية المزعومة”.