في خضم التحولات العميقة التي يشهدها العالم، تبقى القارة الإفريقية رهينة حلقات متكررة من الأزمات: صراعات داخلية، تحديات تنموية، ضغوط خارجية، وقيود تعيق حرية تنقّل أبنائها في ظل نظام تأشيرات غير منصف. رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية وطاقات بشرية شابة، ما تزال شعوب القارة تُصنّف في خانة “العالم الثالث”، وتُعامل في المحافل الدولية دون ما يليق بإمكاناتها ومكانتها التاريخية والحضارية.
في بعض دول القارة، ومن بينها مالي، تتعالى أصوات القلق بشأن مسارات الحكم، إذ يُطرح مشروع قانون يمنح الرئيس أسيمي غويتا حق الترشح لعدد غير محدود من الولايات. مثل هذه الخطوات، إن لم تُرافقها ضوابط ديمقراطية ورؤية تنموية واضحة، تُهدّد بتكريس أنظمة سلطوية تُعيق التحول السياسي والاقتصادي.
إن جوهر الأزمة في العديد من الدول الإفريقية يكمن في غياب الاستراتيجيات الاقتصادية الفعالة، وتفكك النسيج المؤسسي، وتهميش أدوار الشباب والمجتمع المدني، في مقابل تغليب منطق الاستمرارية في الحكم على حساب التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.
غير أن هذا الواقع لا ينبغي أن يكون قدَرًا محتومًا.
لقد أثبتت بعض الدول الإفريقية، وفي مقدمتها الجزائر، أن النهوض ممكن حين تتوفر الإرادة السياسية والاستراتيجية المتوازنة. فقد اعتمدت الجزائر في السنوات الأخيرة سياسة الاكتفاء الذاتي، وحرصت على تعزيز التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار في الشركات الناشئة، وتفعيل دور المجتمع المدني كشريك في البناء الوطني.
رغم التحديات الكبرى، من جائحة “كوفيد-19” إلى تقلبات الأسواق العالمية، استطاعت الجزائر أن تحوّل أزمتها إلى فرصة، وأن تبني علاقات دبلوماسية واقتصادية متوازنة مع شركاء من مختلف القارات، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، دول الاتحاد الأوروبي، روسيا، وغيرها، دون التفريط في سيادتها أو استقلالية قرارها.
إن تجربة الجزائر اليوم تمثل نموذجًا واقعيًا للإرادة الإفريقية حين تُفعّل إمكاناتها الداخلية وتنهض بمقدّراتها.
وعليه، فإن مستقبل القارة الإفريقية لا يصنعه سوى أبنائها. فالرهان الحقيقي اليوم هو في تفعيل دور الاتحاد الإفريقي، وبعث روح التعاون بين دول المغرب العربي، وتعزيز التكامل الإقليمي من خلال مشاريع اقتصادية مشتركة، واستثمار جاد في التعليم والابتكار، وفتح أبواب الحوار السياسي والدبلوماسي على أسس من الندية والاحترام المتبادل.
إنّ القارة الإفريقية ليست عبئًا على العالم، بل فرصة كبرى للبناء والنمو المشترك.
ويبقى الأمل أن يُدرك القادة الأفارقة أن النهضة لا تتحقق بالخطابات، بل بالحوكمة الرشيدة، وتكريس الديمقراطية، وبناء مؤسسات قوية قادرة على قيادة شعوبها نحو مستقبل يليق بتاريخ إفريقيا وإمكاناتها.
الأستاذ محمد خروف
المفوض العام للمنظمة الدرع العالمية في أفريقيا