آلاف المغاربة في طنجة يتظاهرون ضد الإبادة في غزة ويعلنون تضامنهم مع فلسطين
20.07.2025
منظمة الدرع واتحاد الصحفيين الدولي يطلقان حملة كسر الحصار الجائر على الفلسطينيين في غزة
20.07.2025
عرض كل

حين تصبح الفوضى أداة حكم: لماذا يرضخ بعض الحكام العرب للفوضى في الشرق الأوسط؟

في خضم الفوضى العارمة التي تجتاح أجزاءً واسعة من الشرق الأوسط، لم يعد مستغربًا أن تتحوّل الفوضى من خطر يهدد الأنظمة إلى أداة فعالة لإدامة الحكم. هذا التحوّل المفاهيمي ليس محض صدفة، بل هو نتاج معادلات معقدة تجمع بين المصالح الشخصية للحكام، وضعف البنى السياسية، والتدخلات الخارجية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمجتمعات العربية.

فلماذا إذاً، يرضخ بعض الحكام العرب للفوضى؟ بل لماذا يبدو في بعض الأحيان أنهم يسيرون بها عمدًا؟


البقاء في السلطة.. مهما كان الثمن

الجواب الأكثر مباشرة هو أن كثيرًا من الحكام في العالم العربي يرون في السلطة مسألة وجودية، لا مجرد وظيفة عمومية قابلة للتداول. ومع غياب آليات المساءلة والتداول السلمي، تصبح الفوضى وسيلة لإدامة الحكم، من خلال خلق حالة من الخوف الدائم في صفوف الشعوب، وتقديم الحاكم كخيار “أقل سوءًا” أمام احتمالات الانهيار أو سيطرة الجماعات المتطرفة.

في حالات كثيرة، تُستخدم الفوضى كشماعة لتأجيل الإصلاح السياسي، أو لقمع المعارضين، تحت ذريعة “الظروف الاستثنائية”. وهكذا تُدار الدولة كأنها ثكنة، لا ككيان سياسي مدني.


تفكك داخلي وانعدام الثقة المجتمعية

كثير من الدول العربية تعاني من نسيج اجتماعي هش، قائم على انقسامات مذهبية، طائفية، قبلية أو إثنية. وهذا التعدد، في ظل غياب مشروع وطني موحد، يحوّل الخلافات إلى نزاعات دامية. وبدلًا من العمل على بناء مواطنة متساوية، تستثمر بعض الأنظمة في هذه الانقسامات لضمان ولاء قطاعات محددة من الشعب مقابل تهميش الآخرين.

ومع انعدام المؤسسات المستقلة – قضاء، إعلام، مجتمع مدني – تصبح الدولة مرتبطة بشخص الحاكم، فإذا غاب، غابت الدولة معه. هذه “الشخصنة السياسية” هي أحد أخطر مظاهر الفوضى البنيوية.


تدخلات خارجية.. تغذي الفوضى وتعيد إنتاجها

الفوضى في الشرق الأوسط ليست فقط محلية المنشأ. فمنذ عقود، تشكّل المنطقة ساحة صراع جيوسياسي مفتوح، تتنافس فيها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، وأخرى إقليمية كإيران وتركيا وإسرائيل.

وغالبًا ما تتغذى هذه القوى من ضعف الأنظمة، فإما تدعم بقاءها لضمان مصالحها (النفط، الأمن، الأسواق، التحالفات)، أو تُشعل النزاعات لتبرير تدخلها العسكري أو فرض نفوذها الاقتصادي والسياسي.

وقد شهدنا مرارًا كيف أن قوى غربية قدّمت دعماً لأنظمة استبدادية طالما وفرت لها مصالح استراتيجية، حتى وإن كانت سياسات هذه الأنظمة تُفاقم الأزمات الداخلية وتُشعل الحروب.


الاقتصاد الريعي.. باب للفوضى لا للتنمية

تعتمد معظم الدول العربية، خصوصًا الخليجية وبعض دول شمال إفريقيا، على الاقتصاد الريعي، القائم على النفط أو المساعدات الخارجية. هذا النموذج يضعف الإنتاجية، ويكرّس التبعية، ويعمّق الفجوة بين الحاكم والمحكوم.

في ظل هذا النموذج، يتم شراء الولاءات عبر الدعم المالي بدل الاستثمار في التعليم، الصحة، والبنية التحتية. ويؤدي ذلك إلى اتساع رقعة الفقر والبطالة، ما يُنتج مجتمعًا غاضبًا، يائسًا، مستعدًا للانفجار أو للانخراط في مشاريع فوضوية أو حتى إرهابية.


الإرهاب.. خطر حقيقي واستثمار سياسي

وسط هذه البيئة المتفجرة، وجدت الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية بيئة مثالية للتمدد. من القاعدة إلى داعش، مرورًا بميليشيات طائفية مرتبطة بالخارج، استثمرت جميعها في غياب الدولة والانقسام المجتمعي.

لكن المفارقة أن بعض الأنظمة استخدمت خطر هذه الجماعات كذريعة لتشديد القبضة الأمنية، أو للحصول على دعم دولي بزعم “محاربة الإرهاب”، بينما فشلت فعليًا في اجتثاث أسبابه الجذرية: الفقر، التهميش، والفساد.


غياب الرؤية الوطنية الجامعة

ربما يكون الغياب شبه التام لمشروع وطني جامع هو السبب الجوهري للفوضى المستدامة. كثير من الأنظمة تفتقر إلى رؤية تُوحّد المواطنين حول عقد اجتماعي واضح، قائم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وحرية التعبير.

وفي غياب هذه الرؤية، تصبح السلطة غاية بذاتها، لا وسيلة لإدارة شؤون الناس وتحقيق مصالحهم. وينشأ صراع دائم بين الدولة والمجتمع، تديره النخب الحاكمة بمزيج من التخويف، التهميش، والتشتيت.


 هل الفوضى قدر لا مفر منه؟

ليست الفوضى قدرًا محتوما على المنطقة العربية، لكنها نتاج سياسات قصيرة النظر، وخيارات أنانية أفرغت الدولة من مضمونها، وأفرزت أجيالًا محبطة وغاضبة.

إن إنهاء هذه الحلقة المفرغة يتطلب أكثر من تغيير الوجوه. إنه بحاجة إلى إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والشفافية، وضمان استقلال القضاء، وتمكين المؤسسات، ووقف التدخلات الخارجية السلبية.

فالفوضى لا تُبقي أحدًا في مأمن طويلًا، حتى من ظنوا أنهم يستثمرون فيها. وفي لحظة ما، قد تتحوّل من وسيلة بقاء إلى أداة سقوط.

 

 فريق التحرير – وكالة صوت العالم الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *