في غزة يكتب تاريخ العالم… إما بالعار أو بالكرامة
معركة الوعي قد بدأت تؤتي ثمارها، وحان وقت تسمية الأمور بمسمياتها. لم يعد هناك متّسع للرمادية، ولا مبرر للصمت، ولا مجال لتزوير الحقائق أو التلاعب بالمفاهيم
وعي الشعوب بدأ يتفتح وينهض من تحت ركام التضليل الإعلامي الممنهج الذي استمر لعقود، حيث سوق الوهم وزيف الوعي عبر شعارات براقة مثل “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”الحرية”، بينما كانت الحقيقة تخفى عمدًا خلف هذه الواجهات. واليوم بات واضحًا لكل من يملك بصرًا وبصيرة أن الولايات المتحدة الأمريكية تقود مشروعًا عالميًا ممنهجا هدفه السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها وتدمير إرادتها، ولو كان الثمن إبادة جماعية، وانهيار دول، وتشريد ملايين الأبرياء
الفوضى التي تعم منطقتنا لم تكن نتيجة أحداث عشوائية، بل جاءت نتيجة مخططات تقودها الولايات المتحدة وأجهزتها الاستخباراتية. فمن خلال دعم وتشكيل الجماعات الدينية المتطرفة، وتغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية، زرعت بذور الصراع داخل المجتمعات، وفُتحت أبواب الحروب والدمار. هذه السياسات هدفت إلى تقسيم المنطقة، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وضرب منظومة القيم التي حافظت عليها شعوبنا لقرون، لخلق شرق أوسط ضعيف وخاضع للهيمنة
الوجه الأكثر دموية لهذا المشروع هو ما يجري في فلسطين، وتحديدًا في قطاع غزة، حيث يتعرض أكثر من مليوني إنسان لحصار خانق، وعدوان متواصل، وتدمير شامل. يمارس الاحتلال الإسرائيلي أفظع الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وسياسات التجويع بحق المدنيين، مدعومًا بلا حدود من الولايات المتحدة سياسيا، وعسكريا، واقتصاديا
الدعم الأمريكي للاحتلال لا يقتصر على المواقف الدبلوماسية، بل يشمل تزويده بأحدث الأسلحة الفتاكة، بما في ذلك المحرمة دوليًا، وتعطيل أي مسعى دولي في مجلس الأمن لإدانة الجرائم أو الدعوة إلى وقف إطلاق النار. كما تُضخ مليارات الدولارات لدعم آلة حرب تستهدف الأطفال والنساء والشيوخ والمنازل والمستشفيات والمساجد، وكل ما يشكل الحياة في غزة
لقد أصبح واضحًا أن الولايات المتحدة ليست مجرد طرف داعم، بل هي القائد الحقيقي للحرب، فيما حكومة الاحتلال بقيادة المتطرف بنيامين نتنياهو مجرد أداة تنفيذ لمشروع أكبر يتجاوز حدود فلسطين
المفارقة أن واشنطن، التي تدّعي الدفاع عن “حقوق الإنسان”، هي ذاتها التي خرقت كل معايير العدالة وداست على القيم التي تروّج لها. صمتت عن الإبادة الجماعية، وقدّمت الحماية السياسية والقانونية لمجرمي الحرب، ومارست سياسات التجويع والعقوبات القاتلة ضد شعوب بأكملها
ازدواجية المعايير الأمريكية باتت حقيقة مكشوفة: تدين العدوان إذا كان خصمها هو الفاعل، وتبرّره إذا كان حليفها. الصمت والدعم اللامحدود للاحتلال يجعلان واشنطن شريكًا رئيسيًا في الجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين
لقد حان وقت الموقف الواضح. لم يعد مقبولًا التستر خلف الشعارات أو دفن الرؤوس في الرمال. على المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان وكل الشعوب الحرة أن تحدد موقفها: إما في صف العدالة والحرية، أو في صف آلة الظلم والتواطؤ
الولايات المتحدة ليست راعية للسلام كما تدّعي، بل قائدة للفوضى ومهندسة لصراعات لا تنتهي، وحساباتها تقوم على المصالح والنفوذ، ولو كان الثمن أرواح الأبرياء
إن الصمت على الظلم ليس حيادًا… بل شراكة فيه
الدكتور صالح ظاهر
رئيس منظمة الدرع الدولية
رئيس اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي
الأمين العام المؤسس للاتحاد الدبلوماسي الدولي