27 وفاة على الأقل جراء حريق بمستشفى لمرضى كورونا في بغداد
25.04.2021عبير حمد … بيت البنات..بيت البركات
27.04.2021
الباب الأول رحيق الذاكرة (1)
صعبة هي الحقائق التي تأتينا مفاجئة لتترك بداخلنا شرخا كبيرا …تلك الأشياء البسيطة التي اعتقدنا أنها أمر مفروغ منه .. كمسلمة نصدقها دون أن نهتم للتبرير و الشرح.
على مقربة من شارع اولهيفسكا تقبع هناك مخبزة الجدة .
كل المارين من تلك الجهة لاينفكون يشترون بعض المخبوزات الطازجة …ليس هنالك ادني شك فالرائحة المميزة للخبز الفرنسي الذي يميز تلك المخبزة عن غيرها يجعلك ترتاد ذلك المكان باستمرار …يصيبك ببساطة بنوع من الإدمان اللذيذ.
ففي منطقة باردة مثل اوديسا و التي تصل بها درجة الحرارة أحيانا إلى 20 درجة دون الصفر يعتبر تناول خبز طازج هش ودافئ في الصباح الباكر نعمة حقيقية .
كانت المخبزة عبارة عن تحفة فنية وكأنها منحوتة بيد فنان. لمسات هندسية أوكرانية من الخارج و ديكور فرنسي مخملي من الداخل.
اوديسا منطقة سياحية تعج بالأجانب القادمين من كل صوب ..يأتي بعضهم بين الحين و الآخر لتجريب المخبوزات الشهيرة فيتحولون بسرعة إلى زبائن دائمين ..في الحقيقة ليس منتج المخبزة وحده ما كان يجذبهم بل المزيج بين الثقافة الأوكرانية وتلك اللمسة الفرنسية الطاغية على المخبزة تجعلهم في ذهول وتساؤل مستمر.
مالكة المخبزة ليزا باريسية الأصل تزوجت من رجل أوكراني واستقرت في مدينة اوديسا وبطبيعة الحال تلاقح حضارتين مختلفتين ينجب لمسة إبداعية متفردة وهذا يجعلنا نميط لثام التساؤل عن وجه الحقيقة.
بعد زواجها بثلاث سنوات أنجبت ليزا فتاة ملائكية الملامح و لأنها مسيحية الديانة كاثوليكية المذهب أسمتها ريتا تيمنا بالقديسة ريتا والتي تعني اللؤلؤة.
ولدت ريتا في 26 ابريل 1986.في ذلك اليوم دقت أجراس الكنائس في كل أنحاء البلد.. لم يكن الأحد بل السبت لم يكن عيدا بل مراسم للدفن.
الموت و الحياة صديقان مقربان لايكتمل احدهما إلا بوجود الأخر وكل منهما يؤكد وجود الثاني.
حينما بكت ريتا بكاءها الأول لتعلن بداية حياتها جنوب البلاد
كان ألاف من الأشخاص شمال البلاد يذرفون الدمع ليعلنوا النهاية.
مدينة تشرنوبيل كانت تنعي فقداها و تبكيهم بكاء الثكلى في وحدتها ..فقد حلت بها كارثة نووية لم يشهد العالم سابقة لها.
انفجر احد المولدات النووية مخلفا خرابا شاملا في المنطقة…لطخ التربة السوداء الندية بجزيئات قاتلة ..دمر المساكن و المباني المحيطة وافقدها جمالها و روحها.. أنهى في لحظة ما بني في دهر.
بعد تلك الحادثة أصبح ذكر ذلك التاريخ نذر شؤم لأنه يجلب التعاسة والأسى ويعيد الذكريات الحزينة لقلوب أثقلت الحياة كاهلها.
كبرت ريتا بين أحضان والديها اللذان حاولا منحها كل الحب و الاهتمام الذي تحتاجه و لكن المحيطين بها لم يكونوا بذات القدر من المحبة أو حتى بجزء بسيط منه .
كانوا يلقبونها بالمشئومة لأنها ولدت في يوم شؤم..لم يكن لها إي ذنب فيما حصل لكن طبيعة الإنسان تجعله يلقي باللوم على غيره في أي مشكلة تصادفه و كأن ذلك يريح غروره و يقلل من شعوره بالذنب .
هم لم يلوموا السلطات على عدم اخذ التدابير اللازمة في وقت أبكر
هم لم يطالبوا بحقوقهم المسلوبة كل ما استطاعوا فعله هو الدوس على كبرياء طفلة بريئة و تحميلها وزر ذنب لم ترتكبه
لكن ريتا لم تكن بذلك الضعف لتهتز ثقتها بنفسها أو تشعر بأنها غير مرغوب فيها ..اكتفت بحب والديها لها وقررت أن تمثل الأمل بدل الألم.