الصحفيون ومعركة الوعي في زمن الأزمات والفوضى الإعلامية
20.06.2025الصفدي: إسرائيل تدفع المنطقة نحو الصراع والعرب يتمسكون بخيار السلام
21.06.2025
كثيرون من العرب لا يعرفون عن إيران سوى ما يعرض لهم في وسائل الإعلام: عدو، مجوسي، صفوي، خطر شيعي… ولكن، هل هذه هي إيران الحقيقية؟ أم أن هناك قصة أخرى، لم تُروَ للعرب؟ هذا المقال محاولة لكشف جانب آخر من الحقيقة، بلا تعصب ولا تزويق، بل بدافع الفهم والوعي.
إيران… بلد الجغرافيا والتاريخ
إيران ليست غريبة عن منطقتنا، لا جغرافياً ولا تاريخياً. فهي دولة تقع في قلب الشرق، جارة للعرب، تمتد حدودها من الخليج العربي إلى آسيا الوسطى. وكان لها على مر القرون صلات وثيقة بالعالم العربي، سواء في العهد العباسي أو ما قبله وما بعده. فالعرب دخلوا بلاد فارس، ولم يحطموها، بل تلاقحوا معها حضارياً، فنتج عن هذا التفاعل نهضة فكرية وأدبية وعلمية كان لإيران فيها نصيب كبير.
إيران الإسلامية: تسعة قرون من السنّة
لمن لا يعرف، فإن إيران كانت دولة سُنية على مدى تسعة قرون. وكانت المذاهب الفقهية الأربعة منتشرة في أقاليمها. لكن مع وصول الصفويين إلى الحكم في القرن السادس عشر، وبالتحالف مع الترك الأذريين، فُرض التشيع كمذهب رسمي، واستُخدمت القوة لنشره. صحيح أن هذه المرحلة كانت عنيفة، لكن لا يمكن تجاهل أن التسنن أو التشيع في إيران لم يكن دائماً صراعاً دمويًّا، بل كان أيضاً نتيجة تحولات فكرية، سياسية، وتحالفات دولية في زمن العثمانيين والصفويين.
علماء الحديث والفقه… من أرض فارس
ما لا يُقال كثيراً: أن كثيراً من كبار المحدثين، والفقهاء، والمفسرين، والمؤرخين في الإسلام، كانوا من فارس أو ممن نشأوا فيها. أمثال الإمام البخاري (من بخارى – في خراسان الكبرى)، ومسلم النيسابوري، والنسائي، والطبري، والرازي، والغزالي، والخوارزمي، وغيرهم كثير. هؤلاء خدموا التراث الإسلامي، وكتبوا بالعربية، وكانوا جزءاً من الحضارة الإسلامية التي لم تكن عربية خالصة، بل إسلامية شاملة.
نبذة عن الخميني… من المنفى إلى الثورة
من الأسماء التي شكّلت تحوّلاً كبيراً في تاريخ إيران الحديث، آية الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية. عاش الخميني في العراق نحو 14 عامًا، في مدينة النجف، بعد نفيه من إيران بسبب معارضته الشديدة لنظام الشاه. حاول في بداية نفيه دخول الكويت، لكن رُفض منحه التأشيرة، فحصل بعدها على تأشيرة إلى فرنسا، حيث أقام هناك حوالي ثلاثة أشهر فقط في ضاحية نوفل لو شاتو قرب باريس. وفي عام 1979، ومع تصاعد الاحتجاجات ضد الشاه، عاد الخميني إلى إيران ليقود ثورة أنهت الحكم الملكي، وأعلنت الجمهورية الإسلامية، ما شكّل بداية مرحلة جديدة في علاقة إيران بالعالم العربي والغرب.
لماذا تشوّهت صورة إيران؟
السؤال هنا ليس عن الخلاف بين إيران والدول العربية، بل لماذا تُقدَّم إيران دائماً بصورة “العدو الديني”؟ من المستفيد من هذا؟ الحقيقة أن القضية ليست إيران نفسها، بل ما تمثّله من استقلال فكري وديني وسياسي لا يرضي بعض الأنظمة.
دول الخليج، مثل الإمارات، ساهمت في تضخيم العداء مع إيران، لا سيما بسبب الخلاف حول الجزر الثلاث، وبتحريض دائم من وسائل الإعلام.
الولايات المتحدة وإسرائيل لا تعادي إيران فقط سياسياً بسبب موقفها من فلسطين أو نفوذها الإقليمي، بل لأن إيران تطرح نموذجاً عقائدياً يرفض الهيمنة الغربية والصهيونية.
الطائفية كانت سلاحاً فعالاً لتقسيم الشعوب. فبدلاً من أن تكون معركة العرب والمسلمين ضد الاحتلال والتبعية، أصبحت معركة “سنة ضد شيعة”، وهو ما خدم مصالح الاستعمار القديم والجديد معاً.
من أشعل الفتنة؟
الفتنة الطائفية الحديثة ليست قدراً إلهياً. بل بدأت فعلياً منذ الثورة الإسلامية في 1979، حين خرجت إيران من عباءة الغرب، وأعلنت رفضها لإسرائيل وواشنطن. فبدأت الحرب الدعائية ضدها، وتم تضخيم الفوارق المذهبية. وللأسف، انساق جزء من الشارع العربي خلف هذه الحملات، وغابت الرؤية الأوسع.
إيران ليست مثالية… لكنها ليست عدوك الطبيعي
من المهم أن نقول بوضوح: لا أحد يدّعي أن إيران دولة ملائكية. لديها أخطاء، ولها طموحات سياسية كبقية الدول. لكن تحويلها إلى “شيطان دائم” يخدم أطرافاً محددة. ويبعد العرب عن فهم تاريخهم، وعن بناء رؤية ناضجة لعلاقاتهم الإقليمية.
لا تدع الإعلام يختصر إيران في صورة واحدة. اقرأ تاريخها، وانظر إلى حضارتها، وتفكر في واقعنا كعرب. من هو عدونا الحقيقي؟ من يحتل أرضنا؟ من ينهب ثرواتنا؟ من يزرع الفتنة بيننا؟ إن فهمنا لإيران لا يجب أن يُبنى على الكراهية، بل على المعرفة.
الكاتب مروان حسين
