فلسفة الجحيم وعدالة الوجود
“الآن عرفت لماذا خلق الله الجحيم”
لم أعد أبحث عن إجابة لأسئلة الوجود الكبرى كما كنت أفعل في زمن مضى؛ فالحياة نفسها صارت كتابا مفتوحا، والواقع صار أعظم من كل فلسفة.
إن من يعيش طويلا بين الحروب والمآسي لا يحتاج إلى مكتبة ليفهم العالم، بل إلى ضمير حي يقرأ ما بين أنين الضحايا وصمت القبور.
لقد أدركت أن التجربة الإنسانية ليست سلسلة من الأسئلة النظرية، بل صراع دائم بين النور والظلام داخل الإنسان نفسه.
حين رأيت القتلة يتبجحون باسم الحرية، ورأيت المنافقين يلبسون عباءة الدين والوطنية، وحين سمعت العالم يصمت على صرخات الأطفال في فلسطين، أدركت حينها — وبكامل يقيني — لماذا خلق الله الجحيم.
ليس الجحيم انتقاما، بل هو عدالة الوجود حين يعجز الإنسان عن تحقيقها.
كم من مجرم أفلت من العقاب، وكم من منافق اعتلى المنابر وهو يغسل يديه من دماء الأبرياء، وكم من شعب عانى في صمت لأن ميزان الأرض اختل، ولأن الإنسان خان ضميره، ولأن العالم باع الحقيقة بثمن بخس.
لقد أصبح الظلم في هذا العصر منظما، له مؤسسات تصنع الأكاذيب وتوزعها باسم القانون، وله أعلام تبرر القتل باسم الدفاع عن النفس، وله لغة براقة تخدع العقول وتغسل الضمائر.
إن ما يحدث في فلسطين ليس مجرد حرب بين شعب ومحتل، بل امتحان أخلاقي للإنسانية كلها.
كيف يمكن لعالم يدعي التحضر أن يتعايش مع القتل كأنه خبر عابر في نشرة المساء؟
وكيف يمكن أن تقاس قيمة الروح بميزان السياسة، وأن يغتسل الدم بالمؤتمرات والكلمات المنمقة؟
إن ما يجري هناك ليس صراعا على أرض فحسب، بل صراع على معنى العدالة نفسها — على ما تبقى من روح الإنسان في زمن باتت فيه المصلحة دينا، والصمت فضيلة كاذبة.
لقد علمتنا الفلسفة أن الشر جزء من الوجود، لكن في زماننا هذا لم يعد الشر فكرة، بل صار صناعة مربحة.
صار له وجوه لامعة، ومؤسسات راقية، وأصوات تتحدث باسم الأخلاق وهي تدافع عن القتل.
صار للباطل جيوش من المبررين، ووزراء للكذب، ومؤتمرات للإنسانية تعقد فوق جثث الضحايا.
وهنا فقط فهمت أن الجحيم ضرورة وجودية، لأنه ليس مكانا للعقاب فحسب، بل تطهير من الزيف الطويل الذي عاشت فيه البشرية.
إن النفاق في عصرنا هو الشر الأعظم؛ فالقاتل يقتل مرة واحدة، أما المنافق فيقتل مرتين:
مرة حين يبرر الجريمة، ومرة حين يجعل من الكذب فضيلة.
النفاق هو الوجه الفلسفي للشر؛ إنه موت الضمير باسم العقل، وتجميل الباطل باسم المصلحة.
هو أن يتحول الإنسان إلى ظل بلا مبدأ، وصوت بلا صدق، وكائن يبرر كل شيء كي لا يخسر شيئا.
ولهذا كان الجحيم وعدا بالعدل لا بالانتقام، لأنه يعيد التوازن إلى الكون حين يفسد الإنسان معناه.
في فلسطين رأيت صورة العالم كما هي:
ظالم يتحدث عن الأمن، ومنافق يطالب بالسلام، وصامت يكتفي بالمشاهدة.
رأيت الأمهات يحملن أبناءهن الممزقين وقلوبهن مرفوعة إلى السماء، لا يطلبن سوى عدل الله.
وفي تلك العيون المبللة بالدمع، فهمت أن الجحيم ليس قسوة إلهية، بل رحمة مؤجلة —
رحمة لمن ظلم، وعدل لمن قتل، ورد لمن نكث وعده باسم الإنسانية.
الآن فقط، وبعد كل هذا العبث، صرت أرى في الجحيم جمالا عجيبا —
جمال العدالة التي لا يستطيع الإنسان أن يصنعها.
فالله حين خلق النار، لم يخلقها ليخيفنا، بل ليذكرنا بأن الظلم لن يدوم،
وأن النفاق لن ينجو،
وأن الصمت أمام الجريمة… مشاركة فيها.
“الآن عرفت لماذا خلق الله الجحيم”
لكي يكون للألم معنى، وللحق مكان، وللعدالة موعد لا يؤجل.
لكي تبقى الروح مطمئنة بأن دموع المظلومين لا تذهب سدى،
وأن هناك عدلا لا يباع ولا يشترى، وعدالة لا تعرف التواطؤ ولا النسيان.
ففي النهاية، لا يقاس الإنسان بما قال، بل بما سكت عنه.
الدكتور صالح محمد ظاهر
رئيس منظمة الدرع الدولية
رئيس اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي
الأمين العام المؤسس للاتحاد الدبلوماسي الدولي